الشيخ محمد الخضري بك
98
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
متوجّهة إلى الشام ، فلم يدركها ولم يزل مترقبا رجوعها . فلما سمع برجوعها ندب إليها أصحابه وقال : هذه عير قريش فأخرجوا إليها لعلّ اللّه أن ينفلكموها فأجاب قوم وثقل آخرون لظنهم أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يرد حربا ، فإنه لم يحتفل بها بل قال : من كان ظهره حاضرا فليركب معنا . ولم ينتظر من كان ظهره غائبا ، فخرج لثلاث ليال خلون من رمضان بعد أن ولّى على المدينة عبد اللّه بن أم مكتوم ، وكان معه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا : مائتان ونيف وأربعون من الأنصار . والباقون من المهاجرين ، ومعهم فرسان ، وسبعون بعيرا يعتقبونها « 1 » . والحامل للواء مصعب بن عمير العبدري . ولما علم أبو سفيان بخروج الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم استأجر راكبا « 2 » ليأتي قريشا ويخبرهم الخبر ، فلمّا علموا بذلك أدركتهم حميتهم ، وخافوا على تجارتهم ، فنفروا سراعا ولم يتخلّف من أشرافهم إلّا أبو لهب بن عبد المطلب ، فإنه أرسل بدله العاص بن هشام بن المغيرة « 3 » . وأراد أمية بن خلف أن يتخلّف لحديث حدثه إياه سعد بن معاذ حينما كان معتمرا بعد الهجرة بقليل ، حيث قال كما رواه البخاري : سمعت من رسول اللّه يقول : إنهم قاتلوك بمكّة ؟ قال لا أدري ، ففزع لذلك ، وحلف ألّا يخرج ، فعابه أبو جهل ولم يزل به حتى خرج قاصدا الرجوع بعد قليل . ولكن إرادة اللّه فوق كل إرادة فإن منيته ساقته إلى حتفه رغم أنفه . وكذلك عزم جماعة من الأشراف « 4 » على القعود فعيب عليهم ذلك ، وبهذا أجمعت رجال قريش على الخروج ، فخرجوا على الصعب والذلول ، أمامهم القينات يغنين بهجاء المسلمين وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ « 5 » . وقد ضرب اللّه عمل الشيطان هذا مثلا يعتبر به ذوو الرأي من بعدهم ، فقال في سورة الحشر : كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ « 6 »
--> وهي في سهل يليه من الشمال إلى الشرق جبال وعرة ومن الجنوب اكام صخرية ، ومن الغرب كثبان رملية . ( 1 ) يتناوبون ركوبها . ( 2 ) ضمضم بن عمرو . ( 3 ) استأجره بأربعة آلاف درهم كانت له عليه قد أفلس بها . ( 4 ) عتبة بن ربيعة وأبو سفيان وحكيم بن حزام . ( 5 ) سورة الأنفال اية 48 . ( 6 ) اية 16 .